الأحد, أغسطس 25

لا مزيد من الأناقة المؤذية

غوغل بنترست لينكـد ان تمبلر +

لا أناقة على حساب إنسان آخر.

في ديسمبر ٢٠١٦ شاهدت فلمًا وثائقيًا بعنوان “The True Cost” أي التكلفة الحقيقية. يدور الفيلم حول حقيقة الملابس التي نرتديها، من يصنعها والأثر البيئي والاجتماعي لهذا النوع من الصناعة (صناعة الملابس). يكشف الفلم الجانب الخفي ل fast fashion أو صناعة الأزياء السريعة (إنتاج كميات كبيرة من الملابس والإكسسوار تواكب الموضة وبأسعار رخيصة). من أمثلة الشركات القائمة على هذا المبدأ: زارا، اتش اند ام، قاب، توب شوب.. الخ.

يعرض الفيلم معاناة العمال في مصانع الملابس في الدول الفقيرة مثل بنجلاديش وكمبوديا وفيتنام. هذه المعاناة تتركز حول الأجر غير العادل المدفوع لهم، ظروف العمل غير الآمنة، كوارث المصانع وسوء المعاملة مقابل الجهد المبذول لإنتاج آلاف القطع التي تعرض في متاجر هذه الشركات بشكل شبه أسبوعي. تهدد الشركات المصانع في هذه البلدان الفقيرة بأنها إن لم تقبل بالأجر المتدني المدفوع للعمال ستنتقل الشركة للتعاقد مع مصنع منافس آخر والذي بدوره مستعد لتقديم سعر أدنى لكسب المنافسة والمتضرر الوحيد هم العمال. لا يتوقف الإيذاء على الأجور الشحيحة (٢دولار /يوم) بل يمتد للمخاطرة بأرواح هؤلاء العمال حين يكون المصنع في بناية متهالكة ولا تنطبق عليه قواعد السلامة (في ٢٠١٣ انهار أحد المصانع في دكا وتوفي أكثر من ١٠٠٠ عامل في هذه الحادثة)!

هذا طبعًا لا يعني أن العمال لم يقوموا بأي محاولة للاعتراض والمطالبة بتوفير ظروف عمل كريمة. ذكرت إحدى العاملات أنها تكفلت بجمع مطالب زملائها وكتابتها وعرضها على المسؤولين وكانت النتيجة أن أغلق المسؤولون المصنع على العمال وقاموا بضربهم! في كمبوديا أيضًا أضرب العمال عن العمل في المصانع وخرجوا في مظاهرات في الشوارع، والنتيجة صدتهم الشرطة بعنف وفتحت النار عليهم. لا تتوقف مشاكل صناعة الملابس عند هذا الحد بل تتعداه للإضرار بالإنسان والبيئة في هذه الدول الفقيرة من خلال المواد الكيميائية المستخدمة لإنتاج القطن الصناعي مثلًا والتي تتسبب للسكان بالوفيات، الإعاقات والأمراض الخطيرة.

الفكرة التي تقوم عليها هذه المصانع فكرة أنانية تركز على المستهلك وتضر بالعامل. خرجت شركات الأزياء السريعة/الرخيصة لتفي باحتياجات الأشخاص من الطبقة المتوسطة. الاحتياجات المتركزة حول ارتداء ملابس أنيقة متجددة باستمرار بأسعار جيدة ومناسبة لهم. إرضاءً لرغبة المستهدفين، تقوم المصانع بمطالبة العمال بإنتاج آلاف القطع بموديلات متعددة، بحيث يتم تزويد واجهات المتاجر بها باستمرار ليرضى المستهلك الذي لم يعد تًسوُّقه يقتصر على المناسبات فقط، بل أصبح يرتبط بالعمل والزيارات اليومية والإجتماعات وتغيير المزاج أيضًا، كل هذا على حساب العامل المسكين. تعلق إحدى العاملات في الفيلم قائلة “هذه الملابس التي ترتدونها يتم إنتاجها من دمائنا“!

مشاهدة هذا الفيلم جعلتني أشعر بمشاعر سيئة تجاه نفسي مخلوطة بغضب من المحلات التي أتسوق منها واشمئزاز من كوني مستعبدة لاستهلاك أجهل حقيقته. انتهى الفلم وقررت أن “أكون التغيير الذي أرغب رؤيته في العالم”*. سأقلل من استهلاكي وسأقوم بمقاطعة التسوق من المحلات التي لا تدعم التجارة العادلة. الأمر سيكون محاولة هدفها إنساني. قد أنجح وأستمر، وقد أخفق وأتوقف. وإن حصل التوقع الثاني فشرف المحاولة يكفي.

قررت أن أبدأ بالبحث عن محلات بديلة تقوم على التجارة العادلة (توفر للعامل أجرًا عادلًا، وبيئة آمنة، ولا تقوم بتشغيل الأطفال، وتستخدم مواد لا ضرر منها على الإنسان أو البيئة). ذكرت نفسي أيضًا بأكوام الملابس التي اشتريها ولا استهلكها، إذًا سأبدأ سياسة تقنين الشراء ١٠٠٪ وإعادة استهلاك الملابس الموجودة في خزانتي. عزمت على التوقف عن التسوق المدفوع بحب التجديد ومسايرة الموضة وتغير المزاج (التسوق بدون حاجة حقيقية). من نتائج هذا القرار: ارتديت في عيد الفطر العام الماضي (٢٠١٧) في السعودية نفس الفستان الذي ارتديته في عيد الفطر (٢٠١٦) في بريطانيا. لما لا، الفستان جميل وغالي ولم أرتديه إلا مرة واحدة في بريطانيا. ما كنت لأفعلها سابقًا (:

خلال سنة، عثرت على عدة مواقع تتناسب مع فلسفتي الجديدة وقمت بعمل قائمة بها. وتسوقت فعليًا من عدد من المحلات:

  1. No Nasties: هندي. اسمه يعكس فلسفته. تصاميمهم قطنية بسيطة وجميلة. طريقته في تقديم الملابس وإرسالها للمشتري عظيمة. وصلتني القطع وقد تم طي كل واحدة منها بشكل أسطواني ودسها في كيس قماش يحمل عبارة تعكس فلسفة الشركة. لدى المحل فكرة عظيمة وهي “اشتر تي شيرت واحصل على آخر مجاني” على أن تقوم بإهداء الثاني لصديق تُعرِّفه بالمحل وفلسفة المحل. (أسعاره ممتازة).
  2. People Tree: شهرته أوسع من الأول وتم الإشارة إليه في الفيلم أيضًا. أعتقد أنه معروف لدى كثير من المهتمين بفكرة التجارة العادلة في الأزياء. المحل بريطاني، وقطعه أكثر تنوع من الأول وأسعاره أغلى.
  3. Thought: علامة إنجليزية تصميماته بسيطة وجميلة، والأجمل الشعارات والعبارات المرفقة مع القطع. أذكر أني ارتديت فستانًا منه، ورغم بساطته إلا أن كل من رآه سألني عنه. (:
  4. Nativeshoes: محل أحذية أمريكي لا أعرف كم من الوقت أحتاج للثناء عليه وعلى فكرته. الأحذية مصنوعة من أوراق معاد تدويرها وقابلة للغسل .التصاميم كعادة أي شيئ أخلاقي بالنسبة لي، فاتنة وبسيطة ومختلفة. اشتريت منه حذاءً لي ولصديقتي (الحذاء في الرابط). التصميم كان مميزًا وأضفت عليه اختيار اللون المميز منه، الأمر الذي جعل الكثير ممن أتقاطع معهم في الشارع في بريطانيا يعلقون عليه بإعجاب. ميزة الحذاء سهل الغسل مريح حتى في المشي الطويل والتسكع في السفر.
  5. SATVA وPact: طلبت منهما ملابس رياضية، وجاري إنهاكها بالارتداء والغسل مع جمال الشعور بالتفرد. لا أديدس ولا نايك، إنما قطع يصعب التخمين في أصلها. من Pact طلبت أيضًا جوارب.
  6. The Keep Boutiqe: يقع هذا المحل في منطقة Brixston في لندن. فكرة المحل قائمة على عرض ملابس، اكسسوار، حقائب وأحذية نسائية ورجالية من عدة محلات أخلاقية. اقتنيت منه أقراط من الحجر ألمانية الصنع وحقيبة من محل Matt & Nat محل كندي.

الأمر ليس سهلًا. تظل البدائل قليلة والوصول إليها صعبًا، علاوة على تكلفتها المادية ومحدودية تصاميمها وبساطتها. أيضًا صعوبة التحقق من كون المحل يراعي التجارة العادلة قد يكون عائقًا، وقد واجهت ذلك بنفسي. بعض المحلات في مواقعها تحاول بطريقة أو بأخرى الإشارة إلى أنها تراعي تلك المبادئ، لكن عند سؤالهم بشكل مباشر تكون الإجابة من قبيل اممممم نحن نحاول… نبذل هناك خطة، نأمل وهكذا.

تأخرت كثيرًا في كتابة هذه التجربة. كنت أرغب في التحقق من أني سأستمر وأن الموضوع أكبر من عاطفة مؤقتة وأنه سيصبح فلسفة حياة. قاطعت من أجل نفسي ومبادئها أولًا وأخيرًا. أما الفائدة فهي سلام داخلي وإدراك لأني صاحبة إرادة قوية كنت أجهلها. قلّ استهلاكي ولم تعد واجهات المحلات تغريني وبالتالي زاد توفيري للمال وزاد استهلاكي لملابسي.

وفي النهاية، أستطيع القول أني حاولت وكسبت لمدة سنة ولازالت لدي نية الاستمرار ما لم تخذلني الظروف، فليس عدلًا أن تكون أناقتي على حساب إنسان آخر.

*غاندي

شارك.

عن الكاتب

منيرة السميّح

أستاذ علم النفس المساعد بجامعة الملك سعود بالسعودية. شغوفة بالحياة. شغف موزع على السفر وحيدة أو السفر الفردي، الطبخ، الخبز والتجارب الجديدة.

التعليقات مغلقة.