الأحد, ديسمبر 8

قل لي ماذا تقرأ أقل لك من أنت

غوغل بنترست لينكـد ان تمبلر +

في اللقاءات الأولى بين الناس، قد يميل البعض للتعارف مع الآخرين عبر مرجعياتهم المحلية أو الوطنية: من أي عائلة أنت؟ أي مدينة؟ أي بلد؟ أي اللغات تتحدث؟ وهكذا. بينما يتعارف آخرون عبر هواياتهم واهتماماتهم: هل تلعب كرة القدم؟ هل تعزف البيانو؟ ترسم؟ ربما نلتقي ونذهب لمشاهدة الأوبرا معًا، وهكذا. بينما القرّاء عادة ما تشعل حماستهم القراءة وكمية الكتب التي تجمعهم بالآخرين؛ بحيث أنه كلما تقاربت الاهتمامات مع الآخر، فإن كمية المعارف الإنسانية التي تسكن الرفوف تتقارب أيضًا، وربما أول سؤال يطرحونه عليكم هو: ماذا قرأت مؤخرًا؟

اقرأ أيضًا: هل العرب لا يقرأون حقًا؟

كان العرب يقولون “قل لي من تصاحب أقل لك من أنت“، وقالوا أيضًا “من خالط العطار نال من طيبه”. وبالمثل أزعم أن ما يختاره المرء من كتب في كل مرحلة من حياته وكيفية تفاعله مع هذه الكتب يُخبر عنه الشيء الكثير، ويؤثر عليه وعلى عالمه أيضًا، لهذا فلا بد أن يحسن انتقاء ما يختار من بين ملايين الملايين من الكتب المتاحة (يصل إلى مكتبة كامبريدج وحدها كل يوم 500 عنوان أكاديمي جديد ليتم نشره!)

الكتب كالأصدقاء، لا بد أن يكونوا قليلين ومنتقين بعناية.

ساموئيل جونسون

فما الذي يميز القُرَّاء؟

في الثمانينيات من القرن الماضي، قام العالمان هارلب ودولن بإجراء تجربة لمعرفة الفروق بين الأطفال الذين تعلموا القراءة ومارسوها وبين غيرهم من الأطفال الذين لم يمارسوا القراءة بعد. أهم ما خرج به البحث هو أن القدرة الإدراكية على تركيب معانٍ جديدة من معان سابقة كانت سمة تميز بها الأطفال الذين يقرؤون دون غيرهم. التجارب العلمية التي تبحث في قدرتنا على القراءة دون بقية المخلوقات تفتح للإنسان نافذة ليتذكر باستمرار أنه “كائن قارئ”، وإلى أهمية استثمار وتطوير هذه المهارة وأخذها بجدية أكثر. فالقراءة أكثر من مجرد هواية، ومن لم يكن له نصيب من الكتب يلتهمها بشكل يومي كما يلتهم طعامه، فعقله في مجاعة معرفية وحياته مُصابة بالملل والرتابة. وحين تلتقي من يقرأ لا يمكن إلا أن ترى في حضوره كيف تهبه القراءة أجنحة!

حول قراءة هذا العالم كتابًا بعد آخر

في العام 2011، نظرت آن مورغان إلى مكتبتها فوجدتها تنحصر في رؤية أنغلوفونية للعالم. معظم كتبها – وهي قارئة نهمة – تدور في فلك الأدب البريطاني والأمريكي. فبدأت تحديًا جديرًا بالاحترام مع نفسها وهو أن تقرأ كتابًا من كل بلد من بلاد العالم في عام واحد. وقد نشرت كتابها الذي يتحدث عن تلك التجربة المثيرة بكل تحدياتها، من تحديد أي كتاب تنتقي ليمثل أدب تلك البلد، لانتقاء أي المناطق تختار وهل ال196 دولة التي حددتها لنا الأمم المتحدة هي التي ستنحصر القراءة في حدودها أم ماذا؟ التجربة التي خاضتها مورغان وتبعها فيها آخرون كثر تعود إلينا بسؤال: ما الشرفة التي تطل منها مكتبتك على العالم؟

أو ربما أن مكتبتك لا تطل على العالم، ولا تريد! إنما تنحصر في محاور محدودة وأنت تعيد قراءة الكتب ذاتها مذ ورثت مكتبة عن  والديك؟ هذا أيضًا نوع آخر من أنواع القراءة. فأحيانًا إعادة الاستمتاع بكتاب قرأه المرء سابقًا ليفهمه على مستوى أعمق يكون خيارًا أفضل من الانتقال لاكتشاف غيره من المعارف.

فكيف تختار الكتاب التالي والموضوع التالي؟

يقول فان دورين في كتابه الشهير “كيف تقرأ كتابًا” والذي أصبح مرجعًا هامًا في كثير من المناهج الجامعية: “كل كتاب لا بد أن يُقرأ أربع مرات على الأقل حتى يقال لقارئه أنه قرأه، ومن الكتب ما لا يمكن فهمه إلا حينما يُقرأ على مستويات عديدة ومن هذه الكتب: القرآن والكوميديا الإلهية لدانتي وكتب شكسبير.”

من أهم ما قام به فان دورين في كتابه هو تلخيص أنواع المقروء إلى التالي:

  1. المقروء للمتعة
  2. المقروء للمعرفة
    1. للمعلومات العامة
    2. للفهم الأعمق

ثم قسم أنواع التعلم إلى:

  • أ. ما يُتعلم بالاكتشاف
  • ب. ما يُتعلم بالتلقين
    • بتلقين مباشر  من معلم (بالاستماع)
    • تلقين غير مباشر (بالمقروء)

ويقول فان دورين إننا يمكننا اعتبار القراءة من النوع الثاني أعلاه (أي لأهداف المعرفة) في غالبها نوعًا من أنواع التعلم بالتلقين غير المباشر، ولكن ولكي تكون كذلك، قام فان دورين بوضع خطوة أخرى وهي تصنيف المكتوب من الكتب إلى:

  • كتب تأتي بمعرفة جديدة
  • كتب تعيد تدوير معارف سابقة بطرق أخرى إما بتبسيطها أو ترجمتها أو نقلها من كتابة مفاهيمية لكتابة فنية وهكذا

وأخيرًا يتوصل فان دورين إلى أن معظم الكتب التي تنتمي إلى الفئة الأولى (أي الكتب التي تأتي بمعارف جديدة) هي غالبًا ما تسد حاجات القراءة في النوع أعلاه (للمعرفة لأغراض الفهم العميق)، وبالتالي فهي القراءة التي تطور صاحبها وتنقله من منهجية في التفكير إلى أخرى وهي الكتب التي تستحق أن تُقرأ أكثر من غيرها.

هل أعيد قراءة كتاب سابق؟ أم أقرأ كتابًا جديدًا؟

مشكلة استكشاف المزيد مقابل استثمار الذي تم استكشافه حتى الآن هي مشكلة يواجهها جيلنا اليوم في خضم التدفق المعرفي الهائل. فلا يمكن لأحدنا أن يقرأ كل الكتب التي أنتجتها الإنسانية، ولا أن يستمع لكل الأغنيات التي توفرها سبوتيفاي وساوند كلاود وغيرها من المكتبات المفتوحة اليوم، ولا أن يشاهد كل الأفلام الرائعة على نت فليكس وغيرها، وهو التحدي الذي يقول عنه علماء تعلم الآلة (machine learning) أنه أحد أكبر التحديات التي يواجهها جيل الانترنت (explore – exploit problem).

 لحل هذه المشكلة في المساحة بين إعادة اكتشاف ما اكتشفناه سابقًا على مستوى أعمق أو اكتشاف الجديد، قام جون غيتينز (John Gittins) بتصميم خوارزمية لها تطبيقات في هندسة المعلومات ونسخ عديدة بعضها أفضل من بعض. لكننا هنا نبحث عن مقاربة لها في حياتنا كبشر وكيف يمكننا الاستفادة منها، وبالتالي فإن أهم ما يعرض لي الآن هو أن يحدد المرء أولًا الوقت المتاح له لاستكشاف مفهوم ما عبر كتاب جديد وتحديد أولوية هذا المفهوم لحياته ولمهنته ولأسرته للتعمق فيه هما مفتاحا الاستكشاف والاستثمار.

توقفك عن الاستكشاف وإعادة استثمار ما تم اكتشافه مسبقًا قد يكون ذكاءً يفرضه عليك الموقف إن وجدت نفسك تتساءل “هل أشتري هذا الكتاب الجديد؟” ووجدت أن المعادلة من الفائدة التي سيجنيها عليك مقابل استثمارك المادي والوقتي فيه ليس مربحًا.

رابط المقال الأصلي على مدونتي.

شارك.

عن الكاتب

أمان عيد

درست هندسة المعلومات في البكالوريوس وكان اهتمامي منصبا على خوارزميات الذكاء الصناعي (كيف تفكر الآلة)، واهتممت بعدها بعلوم الإدراك (cognitive sciences) لسنوات فتخصصت بدراسة علوم الأعصاب الإدراكية في الماجستير (كيف يفكر الإنسان cognitive neuroscience)/ مجازة بهندسة عمليات الإدارة والقيادة الابتكارية والتنمية البشرية وحاليا أعمل مستشارة للتطوير والتغيير المؤسسي في شركة للتقنيات المتقدمة في برلين- ألمانيا. أشعر بالمسؤولية تجاه الارتقاء بنفسي وبالمجتمع العربي القارئ وتمنحني الكتابة شعورا بأنني أساهم ولو من بعيد.

التعليقات مغلقة.