الأحد, مايو 26

القراءة تحت ضوء الفانوس

غوغل بنترست لينكـد ان تمبلر +

لا زلت اأتذكر بسرور وإعجاب تلك الايام التي قرأت فيها العديد من الكتب وأنا طفل ومراهق وشاب تحت ضوء الفانوس عندما ينقطع التيار الكهربائي. تذكرت هذا وأنا اقرأ كتابًا تحت ضوء إنارة خافتة في حديقة عامة. كما أثيرت كل الذكريات المرتبطة بالكتاب عندما تلقيت دعوة من الصديق والزميل المتنور محمد علي المطري للانضمام إلى نادي للكتاب في جامعة UCSI بعد أن قام بتأسيسه حديثًا للاحتفاء بالكتاب وتشجيع القراءة، والدعوة مفتوحة لمن يود الانضمام. حضرت أول لقاء لنادي الكتاب وعادت روح القراءة إلى نفسي بعد أن قصرت كثيرًا من جهتها خلال سنوات الدراسة الجامعية الأربع الماضية.

لقد أثارت القراءة تحت ضوء خافت ذاكرتي وأنعشتها، وجعلتني استعيد الكثير من الذكريات التي عشتها مع الكتاب وعادات القراءة التي تكونت لدي وتلك الروابط الجميلة التي تربطني بعالم الكتب منذ بدأت المطالعة والقراءة الحرة. هذا ما أريد التحدث عنه هذه المرة ومشاركتكم إياه في هذه التدوينة.

بدأت علاقتي بالكتاب منذ الطفولة، ويبدو لي الآن بوضوح أن هنالك عاملين دفعا بي إلى عالم الكتاب. فالأول هو وجود مكتبة عامرة لوالدي في البيت كنت أتطفل وأقلب كتبها وأرصها كما لو كانت ألعاب بناء. أما السبب الثاني فهو هدية والدي بمناسبة التفوق في السنوات الابتدائية الأولى، والتي كانت عبارة عن مجموعة كبيرة من الكتب والقصص والحكايات ذات الألوان الزاهية والمحتوى الجميل بما يتناسب والمرحلة العمرية، والتي لا زلت أتذكر عناوين معظمها وأغلفتها وأجزاء من محتواها حتى اليوم. بالأضافة إلى مجموعة كبيرة ومتنوعة من الألوان الخشبية والمائية.

وفي السنوات الأولى من المرحلة الابتدائية، طالعت الكثير من القصص والحكايات مثل كنز الأمراء وعلي بابا والأربعين حرامي وغيرها. ومنذ ذلك الحين تكون لدي حب المطالعة والولع بالقراءة. ما إن أصبحت أستطيع القراءة، حتى صرت لا أقاوم رغبة قراءة كل مايقع تحت يدي وناظري: الكتب والجرائد والمجلات والرسائل والإعلانات وحتى التذاكر والكاتالوجات واللوحات الدعائية وتلك الملصقات على واجهة المحال التجارية وكل ماهو مكتوب.

لقد أعطتني القراءة مبررًا مقبولًا لأعتزل الآخرين في مكان هادئ من البيت وأستلقي على بطني وأمسك كتابي المفضل. فلم يكن اللعب والحديث مع أقراني من الأطفال الآخرين أكثر إثارة مثل كتبي التي أعيش معها أحاديث ومغامرات من نوع آخر. كنت أشعر بحرية كبيرة مع عالم الكتب وقلَّما صار الملل يجد طريقه إلي طالما هناك كتب جديدة.

كم كنت أستمتع وأنا أقوم بتغليف الكتب بطريقتي الخاصة وترميم ماتعرض منها للتلف وتنظيفها من الغبار وإعادة ترتيبها طوال اليوم. حتى أنني كنت ألاحظ ما يطرأ على الكتاب من تمزق أو ما يعلق به من قطرات الشاي والقهوة أو الحبر. كما أصبحت أحب أحيانًا تمييز نوعية الورق بعد أن نشأت علاقة وجدانية وحميمية مع الكتاب الورقي لتتكون بذلك عادات غريبة مثل التقاط أي ورقة تبدو مقطوعة عن كتاب وكذلك قصاصات الورق والجرائد المرمية على قارعة الطريق أو تحت جذوع الاشجار في الحدائق، أو التي علقت بصخرة أو سور ما بدافع الفضول، وهو الأمر الذي يزعج أصدقائي والآخرين من حولي أحيانًا. لكنني نجحت أخيرًا من التخلص من هذه العادة. كما يدفعني الفضول أحيانًا إلى محاولة استراق النظر إلى ما يقرأه الركاب بجانبي في وسائل النقل العامة أو غيرها من الأماكن.

كثيرًا ما كنت ولا زلت أهتم بنظافة الكتاب والحفاظ على مظهره الأنيق. فشكل الكتاب مهم بالنسبة لي عندما أبحث عن كتاب لقراءته أو لأقدمه كهدية لشخص ما (باعتبار الكتاب هو أغلى وأجمل هدية يمكن أن يقدمها أحدهم إلي أو أن أقدمها أنا لاحدهم).

هذا الميل لبقاء الكتاب نظيفًا وأنيقًا وجذابًا جعلني أكره تدوين أي نوع من الملاحظات على صفحات الكتب أو حتى وضع خطوط تحت كلمات أو جمل وفقرات معينة منه. أتذكر أنني ذات مرة انفجرت غضبًا في أحد الأعزاء ووبخته عندما أعاد إلي كتابي وفيه خطوط بقلم الحبر تحت بعض الأسطر التي رأى هو أنها مهمة وجديرة بالتمعن. لكنني سرعان ما شعرت بالخجل مما أقدمت عليه. وإذا كتبت شيئًا على كتاب فلن يكون سوى زمان ومكان اقتنائه والحصول عليه، أو في أحايين أخرى وهي قليلة، كتابة التاريخ الذي بدأت وأنهيت قراءة الكتاب فيه.

ومن طريف ما أتذكر الآن أنني كنت أيضًا أرفض فكرة كتابة الملاحظات على الكتاب أو وضع الخطوط تحت بعض العبارات أو الفقرات معتقدًا بأن هذا يجعل من السهل لمن يقرأ الكتاب من بعدي أن يقرأ أفكاري. وخلال السفر والترحال، ظل الكتاب هو أفضل ما يمكن أن أحمله في حقيبتي. خصوصًا أن للقراءة في مكان جديد طعم مختلف بل ومشاعر وأحاسيس مختلفة.

كما أن من الطريف ما كان يحدث وأنا مازلت قارئًا صغيرًا، حين كنت أدخل مكتبة والدي وأبحث فيها عن بعض الكتب التي تجيب عن تساؤلاتي التي يتهرب من الإجابة عنها الكبار. وأذهب بعيدًا عن الانظار لأتصفحها ثم أعيدها إلى أماكنها بدون أن يشعر احد.

وهنالك الكثير من الذكريات والطرائف التي ترتبط بالكتاب، ومنها تلك التي حدثت لي وأنا حينها مراهق وهو خطأ قمت به يومًا، لكني لا أبرره أو أشجع عليه هنا وإنما أردت أن أعتراف به فقط. ففي مرة من المرات، لم أقاوم الإغراء والرغبة في قراءة أحد الكتب، لكن أمين المكتبة المدرسية -وهو شخص سيء الطباع- رفض إعطائي الكتاب بغير مبرر، فخططت مع زملاء آخرين – وهم من ألمع وأنجب التلاميذ في المدرسة ولا بد أنهم يضحكون كثيرًا حينما يتذكرون ذلك-  أن يقوم بعضنا باستغفال أمين المكتبة هذا بينما أحدنا يقوم بوضع الكتاب في حقيبته، لكننا فشلنا بسبب قوة التركيز لديه. لم يكن الدافع للتحايل سوى الولع بهذا الكتاب والرغبة في قراءته.

في ختام هذا المقال، أوجه كلمة شكر للأخ العزيز محمد علي المطري على مبادرته الجميلة، وهي فكرة بسيطة لكنها رائعة جدًا في نفس الوقت وتعكس فكرًا راقيًا.

شارك.

عن الكاتب

زياد أحمد الدغاري

زياد أحمد صالح الدغاري، 29 سنة ومحل الميلاد هو اليمن وتحديداً محافظة شبوة. خريج هندسة بترولية من إحدى الجامعات الماليزية، ويجيد التحدث باللغتين العربية والإنجليزية بالإضافة إلى إجادة التحدث في الحياة اليومية بلغة الملايو (اللغة الماليزية). مدون ومحرر سابق في صحيفة ماليزية حتى توقفت عن الصدور، كما بدأ الأهتمام لاحقاً بما يسمى بالإعلام البترولي. وبالنسبة لاهتمامة بالكتابة، فقد بدأ منذ المدرسة المتوسطة من خلال المشاركة في الصحف المحلية وتأسيس أول مجلة أطفال في المحافظة بمشاركة شقيقه مازن.

اترك تعليق