السبت, فبراير 29

سخافات ثقافية .. هوس تحدّي القراءة

غوغل بنترست لينكـد ان تمبلر +

في بداية هذا العام كنت أشعر بالحماس الشديد تجاه القراءة. كوني عدت بعد فترة انقطاع طويلة لأسباب شخصية، ولأنني خشيت أن توقفني مشاغل الحياة – كما فعلت مرات عديدة- عن القراءة. فبحثت عن أفكار ألتمس فيها الدافع لاستمراري بالقراءة خلال العام. كانت فكرة مجموعات القُرّاء فكرة مذهلة، حيث أن الاندماج معهم يجعلك دوماً تشعر بأن القراءة فعل طبيعي يحدث كل يوم، يمارسه الكثير رغم ظروف حياتهم المختلفة.

تشمل هذه المجموعات برامج التواصل الاجتماعي وموقع Goodreads الشهير. كما بدأت في كتابة المراجعات للكتب التي أقرأها إيماناً مني بأن ذلك سيُساعد من يرغب في قراءتها، ناهيك عن متعة قراءة المراجعات والآراء بعد الانتهاء من قراءة الكتاب، وكأن هذه المراجعات تقوم بمناظرة بعضها البعض.

أثناء استعدادي لرحلة قراءة العام التي نويتها، أرسل لي موقع Goodreads اقتراحًا بأن أقوم بوضع خطة للقراءة باختيار عدد محدد من الكتب كوسيلة للتحفيز لإنهائها قبل انتهاء العام. لاحظت أن الكثير ممن أتابعهم وبعضًا من أصدقائي قد قاموا بوضع خطة بالفعل. بعضهم كانت خطته قراءة مائة كتاب، وآخرون أقل من ذلك. أعجبتني الفكرة ظناً مني بأن هذه الطريقة هي وسيلتي الحقيقية لمواجهة خطر التوقف عن القراءة. ليبدأ العام وقد وضعت خطة قراءة ثلاثين كتاباً خلال السنة.

ملحوظة: أعجبتني جداً إحدى الأفكار الرائعة التي رأيتها في أحد الحسابات المختصة بالقراءة: تخصيص نوع معين من الأدب لكل شهر من شهور السنة. فمثلاً، شهر لقراءة الأدب التشيلي أو الهندي، وشهر لقراءة التاريخ، وشهر لقراءة كتاب في الفلسفة، وشهر لقراءة انجليزية، وشهر لقراءة تكنولوجية أو حتى مالية. مثل هذه الأفكار جداً ممتازة وتعتبر شكلًا من أشكال التنوع والتخطيط الجيد لتوسيع مدارك العقل.

أبدأ بالنتيجة أم بالتجربة؟ دعونا نبدأ بالنتيجة…

النتيجة:

  • قراءة خمسين كتاباً بدلاً من ثلاثين كما خطّطت أول العام.
  • الاستمرار بالقراءة خلال العام حتى في أوقات الإجازة الصيفية الطويلة.
  • القراءة اليومية، وهي تعني أن أغلب أيام السنة كنت أقرأ فيها، ما عدا بعض الأيام القليلة التي لم أفعل بسبب مرض أو عمل.
  • كتابة مراجعة لجميع الكتب التي قرأتها خلال العام.
  • قراءة مراجعات القُرّاء الآخرين على ما قرأته.
  • مناقشة الكتب التي قرأتها مع بعض القُرّاء في المجموعات أو مع بعض الأصدقاء أو مع الأهل.
  • راضٍ عن التنوّع في اختيارات الكتب التي قرأتها مقارنة بقراءاتي سابقاً، وأنوي تطوير آلية الاختيار لمزيد من التنوّع في العام القادم بإذن الله.

قبل أن أتحدث عن التجربة، أرغب في أن أوضح بأنني أدركت أثناء تلك الرحلة، بأن غرضي ليس قراءة أكبر عدد من الكتب والصفحات، بل كانت لي أهداف أراها أفضل بالنسبة لي وأكثر منطقية وهي:

  • اعتماد القراءة اليومية كأسلوب حياة يتم الاعتياد عليه.
  • الاستمتاع بكل كتاب أقرأه.
  • محاولة التماهي مع أفكار الكتاب وطرح تساؤلات بعد الانتهاء منه والتأمل فيها.
  • التعرّف على أنواع مختلفة من الأدب.
  • التعرّف على كُتّاب مختلفين في أساليب كتابتهم وأفكارهم ومعتقداتهم.
  • تحسين أسلوب الكتابة لديّ، ومحاولة اكتساب أكبر عدد من الكلمات.
  • تطوير أسلوب التعبير لديّ بأسلوب عربي فصيح راقٍ بعد أن أضعفت حياتنا ومنصات التواصل الاجتماعي ذلك.
  • محاولة توسيع مداركي باكتساب معلومات جديدة متخصصة في مختلف المجالات.

التجربة:

أما بالنسبة للتجربة، أعترف بأنني لم أستسغ أبداً فكرة تحدّي القراءة أو ماراثون القراءة، أو أي من هذه المُسمّيات التي هدفها الأساسي الكم وليس الكيف. أتفهّم جيداً أن ذلك قد يعجب بعض الناس ويستهويهم، إلا أنني لم أستطع إيجاد تصنيفٍ لمثل هذه المُسمّيات، لهذا فجمعتها تحت تصنيف شخصي يخصني وحدي بأنه مجرد هراء.

نعم… أرى أن هذه التحديات هي هراء ولا أشعر أمامها إلا بالشفقة على من ينقادون خلف مثل هذه التحدّيات السخيفة. التي لا أرى أي فائدة منها إلا الاعتياد على معدل قراءة سريع جداً، أعلى من معدل السرعة الطبيعي لها. فالقارئ يستطيع التحكم في سرعة قراءته حسب النص الذي يقرأه، وحسب معرفته لما هو مكتوب سابقاً أو ما هو مهم بالنسبة له أو ممل في نظره. وهذا الشيء طبيعي، لكن هناك سرعة زائدة عن المستوى الطبيعي من السرعة، يُلاحق فيها الحروف كي ينهي الجملة تلو الجملة بغاية الانتهاء بأكبر عدد من الكلمات في أسرع وقت ممكن. ومثل هذه القراءة مفيدة في موضعين، الأول أثناء قراءة الصحف، والثاني لقراءة الأجزاء المملة التي تملأ الكتب أو المقالات الغالب عليها الاستطراد أو الإسهاب والإطناب.

وهذا قد نمارسه في بعض القطع المملة في الكتب أو أثناء قراءة الصفح أو المقالات الطويلة. نمر عليه بعيوننا سريعاً كي نُقدّر أهميته ونقيس مدى تأثيره فينا، فإن شعرنا ملاءمته أذواقنا نعود مرة أخرى لقراءة المقال بتمهّل.

القراءة ليست مجرد التهامٍ للحروف، بغرض تمريرها على العقل لزمن يقل عن اللحظة الواحدة، كي تخرج سريعاً من الذاكرة كعربات القطار السريع في المدن الترفيهية، والتي لا تستطيع عدّ عرباتها من فرط سرعتها.

ما الفائدة من ذلك؟ قراءة مائة صفحة خلال ساعة؟ وهل نقيس إدراكنا وفهمنا بعدد الكلمات التي قرأناها أم بقوة تأثيرها علينا ومدى تأمّلنا وتعمّقنا في معانيها؟

لطالما دلّل الناس على أطعمة الوجبات السريعة أنها سيئة للإنسان بصفة عامة وللجهاز الهضمي بصفة خاصة. لا ينافسها أي طعام صحي في الوقت اللازم لتحضيرها أو لتناولها. لكنها بلا طعم أو رائحة أو فائدة… رائحة وطعم صناعي يتمثّل في ألوان ومحليات وصوديوم لخداع العقل.

ألا ترون أنه ثمة تشابه مع القراءة السريعة جداً المتواجدة في مثل تلك التحديات؟

لماذا يُطلب منّا التأني في قراءة دروسنا أثناء الاستذكار؟ لماذا نقوم بإعادة مقاطع موسيقية لسماعها مرة تلو الأخرى وسط سكون محيطي؟ لماذا نتأمل لوحات بعينها دون المرور سريعاً أمامها؟

لماذا نتوقف أمام النص؟ لماذا يستوقفنا اقتباس ونظل نتأمل فيه وننسى أحياناً أننا وسط قراءة كتاب أو رواية؟

إنه التأمل… تذوّق الحروف ومحاولة الاندماج فيها وإسقاط معانيها على أوجه مُختلفة.

هذا التأمل هو ما يعطي النص روحاً ليقوم بالتأثير فيك، ليفتح لك طاقة تنفذ منها إلى حياة أخرى في الخيال قابلة للتنفيذ أو بها أمل مستقبلي للحدوث أو رجاء التحقق. هي طاقة كي تصنع منك شخصاً جديداً.

تختلف طبائع الناس وأساليب حياتهم التي قد تمنحهم مزيداً من الوقت لالتهام العديد من الكتب. هناك من لا توجد لديه حياة اجتماعية مثلاً أو أنها ضعيفة. هناك من يحاول أن يتخذ من القراءة مهرباً وهناك من يتفاخر بعدد الكتب التي قرأها لمجرد التباهي. وهناك من هم بالفعل يستطيعون قراءة كم كبير من الكتب لقدرتهم الحقيقية على القيام بذلك. لهذا أقول إن طبائع الناس تختلف، ولهذا فليس كل ما يناسب الناس يُناسبني. أنا أؤمن بأن الوسطية والتوازن هي أفضل مرحلة يصل إليها الإنسان في أي مجال أو تجربة يخوضها. وليس معنى التوازن هو الحيادية، بل في إيجاد نقطة اتزان خاصة تختلف من شخص لآخر يجد فيها نقطة تلاقي ما بين متعة داخلية مع قيمة ذاتية تحقق له رغبته في استقرار نفسي.

من زاوية أخرى، فإن القراءة مناظرة بين القارئ والكاتب، تتعدى حدود المكان والزمان. الكاتب بذل كثيرًا من الجهد كي يُخرج لك كتاباً، فحاول أن تتخيّله أمامك. هل تظن أنه سيكون سعيداً أو أنه من اللائق أن تنظر إلى ساعتك كل خمس دقائق كونك تريد الانتهاء من لقاء يجمعكما، بحجة ارتباطك بمواعيد أخرى؟

في ظني مثل هذا القارئ يكون خاسراً في معركة الانتصار على الزمن. لن يقرأ أفضل كتاب، ولن يجد الوقت اللازم لقراءة كل الكتب. يظن أن الكتب المهمة هي التي جمّلتها الشهرة، هيهات… كم من الكتب لا نعرف عنها شيئاً يجوب عنها كشافون من كل أنحاء العالم كي يترجموا لنا منها ما يحالفه الحظ في قراءتها.

اقرأ ولكن لا تجعل هوس القراءة يسرق سعادتك، فالقراءة وسيلة لجعل الحياة أفضل.

القراءة فعل عقلي، فإن لم تقرأ الحروف بعقلك، فأنت لم تقرأ.

كتاب في الشهر أو أكثر أو حتى أقل… لا تجعل ذلك هو همّك. فقط… استمر في القراءة.

افرد جناح عقلك كي يتحرر إلى آفاق بعيدة، وفكّر فيما قرأته بعد أن تنتهي من قراءة الكتاب وتطوي صفحاته. دع الأسئلة تنساب داخلك لتبدأ في رحلة محاولة إيجاد إجابات عليها.

حينها فقط اعرف أنك قد قرأت.

شارك.

عن الكاتب

أحمد فؤاد

كاتب وروائي - أرسم حروفًا على الورق لخلق بُعد آخر لهذا العالم.

التعليقات مغلقة.