الثلاثاء, فبراير 25

عن الوقت الضائع

غوغل بنترست لينكـد ان تمبلر +

هل تشعر بالدهشة عندما يأتي عيد ميلادك وتحصي عدد السنوات التي مضت من عمرك؟ 

هل تشكو من ضيق الوقت المتاح أمامك؟

هل تعتقد أن الحياة قصيرة للغاية وأن الوقت ليس فيه بركة؟ 

أراهن أنك تومئ الآن برأسك بالإيجاب، وتشعر بالحزن والإحباط وتتمنى لو كانت حياتك أطول حتى تستطيع أن تفعل كل ما تريده وتحقق كل أهدافك. 

اقرأ أيضًا: اخفض سقف توقعاتك

قبل أن تتحسر على عمرك الضائع دعني أسألك، ماذا تفعل عندما يطلب أي شخص أن تعطيه دقائق من وقتك؟ أعتقد أنك مثل معظم الناس لا تتردد في الموافقة.

ماذا لو طلب منك أي شخص أن تقرضه مبلغًا من المال؟ أعتقد أنك ستسأل الشخص عن سبب طلبه المال ثم تفكر مليًا قبل أن تتخذ القرار لأن نقودك ثمينة بالنسبة لك. 

ألا تشعر بالاندهاش من الفرق بين رد فعلك على طلب الوقت وطلب المال؟ إنك لا تتردد في منح وقتك لأي شخص يريده ولكن تتحول إلى شخص حذر وحريص عندما تحول الطلب إلى المال.

 أنت لست وحيدًا في تصرفك، جميع الناس كرماء في وقتهم، ولكنهم حريصون جدًا على أموالهم وممتلكاتهم، إنهم يتعاملون مع الوقت كأنه مثل الهواء مادة غير قابلة للنفاد فيهدرونه كيفما شاء بل ويتعمدون قتله في بعض الأحيان ثم يشكون من المرور السريع للزمن. 

لماذا نتعامل مع أموالنا بكل هذا الحرص والاهتمام بينما نهدر ساعات عمرنا بغير حساب رغم أن المال الضائع يمكن استعادته وإعادة إنتاجه، بينما العمر الذي يضيع لا يمكن استعادته او استرجاعه. 

ربما السبب يعود إلى أن المال شيء مادي محسوس يمكننا رؤيته ولمسه وإحصاءه بينما الوقت مفهوم نسبي غير مادي وغير محسوس، ورغم أننا نستطيع قياس كل دقيقة تمر علينا إلا أننا لا نتعامل مع الوقت بجدية إلا عندما تمضي سنوات طويلة من حياتنا وندرك أن الوقت المتبقي لدينا صار محدودًا. 

لقد كنت مثل كل الناس أشعر بالحزن مع مضي كل سنة من عمري وأتساءل لماذا يمر الوقت بسرعة شديدة، ولكني غيرت نظرتي لمعنى وقيمة الوقت بعد أن قرأت كتابًا فلسفيًا مهمًا بعنوان “عن قِصر الحياة” للفيلسوف والكاتب المسرحي الروماني سينيكا الأصغر. 

اسم سينيكا ليس اسما معروفا بالنسبة للقراء العرب باستثناء المتخصصين في الفلسفة لأن أغلب أعماله باستثناء بعض المسرحيات لم تترجم للعربية، لقد قرأت من فترة كتابه مٌترجمًا باللغة الانجليزية ولقد أثار مقاله عن قصر الحياة إعجابي الشديد فقررت أن أترجم أهم المقتطفات منه.

لقد استطاع سينيكا أن يحلل كيف يتعامل الناس باستهتار الشديد مع الوقت ولنتأمل كلامه معًا:

“الأمر ليس أن لدينا وقت قصير ولكن أننا نهدر الكثير منه. الحياة طويلة بما يكفي ولقد أعٌطي لنا كمية سخية من الوقت لتحقيق أعلى الإنجازات إذا تم استثماره جيدًا، ولكن عندما نهدر الوقت على رفاهيات طائشة ونستخدمه في أنشطة غير جيدة، فإننا في النهاية مجبرون مع القيد النهائي للموت أن ندرك أن الوقت قد مر بدون أن نعرف، حياتنا ليست قصيرة ولكننا جعلناها قصيرة، الحياة طويلة إذا عرفنا كيف نستخدمها.

الناس حريصون على حراسة ممتلكاتهم الشخصية ولكن ما أن يتعلق الأمر بإهدار الوقت فإنهم الأكثر إسرافا في الشيء الوحيد الذي يحق لهم أن يكونوا بخلاء فيه.

 أنت تعيش كما لو أنه مقدر لك أن تعيش للأبد، ضعفك لا يخطر لك. أنت لا تلاحظ كم من الوقت مضى، ولكنك تهدره كما لو كان لديك فائض منه رغم أن اليوم الذي تكرسه لشيء أو لشخص ربما يكون يومك الأخير. كل شخص يكافح في حياته ويعاني من التوق إلى المستقبل ومن التعب من الحاضر، ولكن الشخص الذي ينظم كل يوم كما لو أنه يومه الأخير لا يتوق ولا يخاف من اليوم التالي.”

كلام سينيكا أيقظني من غفوتي وجعلني أدرك أنني أعاني من عادة هدر الوقت، إنني دائمًا أخطط لفعل أشياء كثيرة في يومي، ولكني لا أنجز منها سوى القليل لأنني أضيع وقتي بدون أن أشعر في أشياء تافهة لا طائل من ورائها.

 إني أقيس وقتي بالأيام والشهور رغم أنني من المفترض أن أقيسه بالساعات والدقائق لأن كل دقيقة تمر من حياتي ثمينة للغاية وكل دقيقة يتم هدرها تساهم في النهاية في إضاعة اليوم بأكمله. 

كلام سينيكا جعلني أطرح عن عقلي وهم أن الحياة قصيرة، العمر الافتراضي للإنسان أطول من كل الكائنات الحية، لذا فهو الكائن الوحيد الذي يخترع لنفسه وسائل للترفيه والتسلية واللعب. هذا الكلام لا يعني أننا يجب أن نقضي كل دقيقة من وقتنا في العمل الجاد فقط.

 الترفيه مطلوب في الحياة، والوقت الذي نقضيه في عمل أي شيء ممتع ليس وقتًا ضائعًا. المشكلة أننا عادة ما ننفق الوقت في أشياء لا تعود علينا بأي فائدة أو متعة. 

قبل أن تشكو من الانشغال ومحدودية الوقت اتبع نصيحة سينيكا وتعامل مع كل يوم كأنه اليوم الأخير في حياتك، إنه أغلى وأهم شيء تمتلكه في هذه الحياة، لذا لابد أن تعرف كيف تستثمره. 

 قبل أن تنفق أي دقيقة من وقتك، اِسال نفسك هل هذا الأمر يستحق أن أقضي وقتي فيه؟ أوهل هذا الشخص يستحق أن أقضي وقتي معه؟ 

عندما تنفق وقتك بحذر ووعي، لن تشعر بالندم عندما تأتي نهاية حياتك، بل ستشعر بالامتنان والرضى عن نفسك لأنك استطعت أن تفعل الكثير بالوقت المتاح أمامك في الحياة.

شارك.

عن الكاتب

ياسمين خليفة

أدبية ومدونة مصرية. حاصلة على بكالوريوس من كلية الإعلام جامعة القاهرة قسم إذاعة وتليفزيون. صدرت لها حتى الآن ثلاثة أعمال أدبية: رواية بنت وولد صدرت عام 2014 عن دار إبداع للنشر والتوزيع، الهيئة السرية للتخلص من المواطنين مجموعة قصصية صدرت عام 2017 عن دار حروف منثورة للنشر الالكتروني، رواية نافذة في السماء صدرت في 2018 عن دار حروف منثورة للنشر الالكتروني.نُشرت لها مقالات في موقع شباب الشرق الأوسط والأدب العربي وداما. وهي صاحبة المدونة الأدبية حكاياتي.

اترك تعليق