الجمعة, ديسمبر 13

كيف تتخلص من الناقد الداخلي الهدام – الجزء الأول

غوغل بنترست لينكـد ان تمبلر +

كلما أفكر في القيام بأي شيء جديد ينتفض صوت آمر وصارم في عقلي ليحذرني قائلًا: “لا تحاولي لأنك ستفشلين، أنتِ غبية ولا تتقنين فعل أي شيء”، “لن تنجحي في كتابة هذه القصة ولن يقرأ أحد كتاباتك لأنك غير موهوبة”، “لن يتم قبولك في هذه الوظيفة لأنك أقل كفاءة من الآخرين”، “وجودك في الحياة مثل عدمه ولا أحد يهتم بك”…

اقرأ أيضًا: 15 نصيحة لتغيير حياتك للأفضل

 حاولت كثيراً أن أتحدى تحذيراته، عندما أنجح يقلل من نجاحي ويطالبني بالمزيد، وعندما أفشل يلومني ويعنفني ويذكرني بكل قرار خاطئ اتخذته في حياتي.

بدأت أستمع إلى هذا الصوت منذ أن كنت في سن المراهقة ولا زلت أسمعه حتى اليوم خصوصًا في لحظات ضعفي وإخفاقاتي.

لقد اعتدت على وجوده لدرجة أنني لم أعد أشعر بوجوده إلا عند اعتلال حالتي المزاجية. صارت حياتي عبارة عن صراع يومي أخوضه ضد الصوت الناقد كي أثبت له أنني إنسانة جيدة وأني أستحق الحياة والنجاح والحب.

لطالما اعتقدت أنني الوحيدة التي تعاني من وجود هذا الصوت القاسي، وأنني الوحيدة التي أعجز عن التخلص منه. بعد أن قرأت في علم النفس، اكتشفت أن معظم الناس يعانون من وجود الناقد الداخلي. 

حسب موسوعة ويكبيديا، فإن الناقد الذاتي الداخلي هو مفهوم يُستخدم في علم النفس الشعبي، ويشير إلى شخصية فرعية تحاسب الشخص وتحط من قدره. هذا المفهوم مشابه إلى حد كبير لمفهوم الأنا العليا الكابح الذي توصل إليه فرويد، ومفهوم المقوم الذكوري السلبي لدى الاناث الذي توصل إليه الطبيب النفسي كارل يونج. 

 كيف وأين نشأ الناقد الداخلي؟ وهل هو جزء ضروري من نفس الانسان أم انه شخصية دخيلة عليه ولا قيمة لها؟

الأطباء النفسيون يشيرون إلى أن صوت الناقد الداخلي القاسي هو بالأساس صوت ناقد خارجي تربى الإنسان على الاستماع إليه في الطفولة مثل صوت الأهل والمدرسين والكبار الذين يمتلكون شخصيات قاسية.

معظم الآباء والأمهات يحبون أطفالهم ويريدونهم أن يكونوا أفضل منهم في الحياة، ولكن كثير منهم يتبعون أساليب تربوية غير سليمة في معاقبتهم أو تحفيزهم، فيعاقبون الطفل بالسب والإهانة والتعنيف القاسي.

من الشائع أن ترى الأب يسخر من ابنه ويتحداه أن ينجح في حياته معتقداً أنه بتلك الطريقة يدفعه لمواجهة التحدي بالاجتهاد والعمل لكي يثبت لوالده أنه مخطئ، لكنه للأسف لا يدرك أنه يؤذي ابنه نفسياً ويضعف ثقته بنفسه.

 النقد القاسي ذاته يخرج من المدرسين الذين لا يمتلكون الصبر الكافي على تعليم الأطفال فيغضبون منهم، ويعاقبونهم على أقل غلطة ويقوم بإهانتهم أمام بقية التلاميذ مما يصيبهم بعقد نفسية فيكرهون المدرسة.

يمتص الطفل في سنواته الأولى كل التجارب النفسية السيئة التي يتعرض لها ويصدق انتقادات الكبار التي تظل تتردد في ذهنه، إلى أن تتطور وتتحول إلى ناقد داخلي يقوم بنفس الدور المُسيء الذي كان يقوم به الكبار في حياته. 

بعض الناس يخلطون بين صوت الناقد الداخلي وصوت الضمير ويعتقدون أن انتقاد الإنسان لنفسه علامة صحية تدل على امتلاكه نفس لوامة تحاسبه وترشده إلى الطريق الصحيح. لكن هناك فارق أساسي بين المفهومين؛ الضمير لا يتحدث مع الإنسان طوال الوقت ولكنه يظهر في أوقات معينة ليحذره من ارتكاب الأخطاء ويذكره بقيمه وأخلاقياته، بينما الناقد الداخلي أكثر قسوة وسلبية وأكثر إلحاحاً لأنه لا يرى في المرء سوى المساوئ والعيوب.

الناقد الداخلي متلاعب، إنه يوحي للإنسان أنه على حق وأنه ينتقده من أجل مصلحته وأنه يريده أن يكون الأفضل ويريد حمايته من الفشل، لكن الحقيقة أنه يريد منه المستحيل، يريده أن يكون مثالياً وكاملاً في كل شيء، لذا فهو لا يتسامح معه في أي خطأ بل يظل يلومه ويعنفه ويهينه حتى يدفعه إلى كراهية ذاته وتدميرها. 

في الجزء الثاني سأقدم لكم خطوات عملية لمواجهة الناقد الداخلي والتخلص منه.

شارك.

عن الكاتب

ياسمين خليفة

أدبية ومدونة مصرية. حاصلة على بكالوريوس من كلية الإعلام جامعة القاهرة قسم إذاعة وتليفزيون. صدرت لها حتى الآن ثلاثة أعمال أدبية: رواية بنت وولد صدرت عام 2014 عن دار إبداع للنشر والتوزيع، الهيئة السرية للتخلص من المواطنين مجموعة قصصية صدرت عام 2017 عن دار حروف منثورة للنشر الالكتروني، رواية نافذة في السماء صدرت في 2018 عن دار حروف منثورة للنشر الالكتروني.نُشرت لها مقالات في موقع شباب الشرق الأوسط والأدب العربي وداما. وهي صاحبة المدونة الأدبية حكاياتي.

التعليقات مغلقة.