الأحد, أبريل 5

قصة قصيرة: مكالمة منتصف الليل

غوغل بنترست لينكـد ان تمبلر +

جاء منتصف الليل وانطفأت الأنوار في كل حجرات المنزل ما عدا حجرة إيهاب الذي ظل مستلقيًا على فراشه يحدق في الظلال المبعثرة على الحائط. 

كان يشعر بالخوف من ذلك الهدوء القاتل الذي يبسط سلطانه على الكون بعد أن تتوقف المخلوقات عن الحركة وتأخذ إجازة إجبارية حتى الصباح.   

كان يشعر بالوحدة لأنه ظل متيقظًا رغمًا عنه في الثلث الأخير من الليل عاريًا أمام أفكاره وهواجسه ومخاوفه ورغباته.  

كل أفكاره صارت تتخلص في فكرة واحدة، وكل رغباته صارت تتحد في إنسانة واحدة، إنه لا يستطيع أن يضغط على زر الإلغاء حتى يمحي ما كل يتعلق بها من عقله وقلبه ولا يستطيع أن يجد من يملأ مكانها في حياته.

قصة قصيرة: الحلم الطويل

داهمه الندم مجددًا لأنه تسرع في فسخ الخطوبة وطعن في أخلاقها فقط لأنها تأخرت عند صديقتها ولم تتصل به لتطمئنه عليها.

أمسك تليفونه المحمول وأقنع نفسه أنه يريد التأكد من صحة الأرقام التي سجلها مؤخرًا حتى يصل إلى رقمها ويتأمل الحرفين المكونين لاسمها. 

ظل يفحص الاسم لمدة طويلة كأنه في انتظار أن تظهر بين الحروف وتلوح له.  

 هاجمته نفس الرغبة المحمومة مجددًا، وأحكمت قبضتها على مشاعره، وأغرته بأن كل ما عليه أن يضغط على رقمها فقط وعندما يسمع صوتها سيهدأ ذلك اللهيب المتوقد في قلبه. 

قرب أصابعه ببطء من زر الاتصال وقبل أن تعانق سبابته رقمها أمره عقله بالتوقف وأعاد عليه نفس السؤال العسير. 

كيف ستبرر اتصالك بعد مرور شهر على الانفصال؟

كل المبررات التي ستخترعها ستبدو مساحيق تجميل رخيصة تخفي تحتها مبررًا واحدًا شديد الوضوح.

  الاتصال سيحمل معه ضريبة باهظة لن تستطيع أن تدفعها. 

 الاتصال سيحمل معه اعترافًا وأنت لا تتقن فن الاعتراف. 

الاتصال انتصار لها وأنت لن تتحمل وطأة الهزيمة ولو لثانية واحدة.   

الاتصال سيعطيها اليد العليا وسيجعلك تبدو شديد الضآلة أمامها، فكيف يمكن أن تستغني عن قوتك من أجل فتاة؟

المرافعة القوية التي قدمها له عقله ردعت قلبه وجعلته يتخذ نفس القرار الذي اتخذه الأيام الماضية. 

أغلق هاتفه وأغلق ضوء حجرته ثم دفن رأسه في الوسادة، وأطبق جفنيه بقوة وانتظر مجيء سلطان النوم الذي تلكأ في زيارته حتى الفجر.

استيقظ منهكًا ولكنه كان فخورًا لأنه أستطاع لليوم الثلاثين على التوالي أن يظل مسيطرًا على زمام قلبه. 

كان في طريقه للعودة من عمله عندما رأى تلك الفتاة الشابة تعبر أمام سيارته. 

أصدر قلبه طرقات سريعة عندما فحص ملامحها.  

خرج من سيارته وجرى نحوها ثم تراجع وعاد لسيارته وهو يشعر بالإحراج عندما اكتشف أنها ليست هي ولكنها تشبهها كثيرًا.

 تملك نفس تسريحة الشعر المتدرجة ونفس القامة القصيرة ونفس الابتسامة الهادئة المطمئنة للحياة، ولكنها لا تملك نفس العينين اللوزتين الواسعتين ولا نفس الجبهة البيضاء العريضة. 

اجتاحته موجة عنيفة من الاشتياق أعطت قلبه قوة هائلة فهزم عقله بالضربة القاضية وأجبره على رفع كل الرايات البيضاء.

لو كانت هي لأراح نفسه من ذلك الصراع المضني، وباح لها بكل شيء بدون أن يتكلم، إنها عندما ترى  الحنين واللهفة في عينيه ستفهم معاناته الصامتة وستغفر وستنسى حماقته وسيعود كل شيء كما كان. 

أراد أن يتصل بها الآن ثم قرر أن ينتظر حتى أخر الليل حتى يتصارحان ويتصالحان بدون أن يسمعهما أو يشعر بهما أحد.

عاد للمنزل وقد اجتاحته موجات متعارضة من النشوة والترقب والخوف. 

 وبينما كان يتناول طعام الغداء بشهية مفتوحة لاحظ أن أخته ترمقه بنظرات غريبة كأنها تريد أن تقول شيئًا ولكنها تخاف من الإعلان عنه.

 هز رأسه في حيرة وسألها “فيه إيه يا غادة؟” 

أطرقت برأسها وبدا عليها الأسف وهي تقول له: “تصور إن مي هتتخطب الأسبوع الجاي وعزمت كل زملائنا بس طبعًا مقدرتش تعزمني.“

بذل إيهاب مجهودًا شاقًا حتى يمنع عضلات وجهه من التعبير عن الألم الذي سرى في حلقه وجعله عاجزًا عن بلع الطعام، بل إنه استطاع بأعجوبة أن يبتسم لأخته وقال لها ببرود: 

 “وليه زعلانة، عادي من حقها إنها تتخطب وتعيش حياتها. أنا أصلاً نسيتها.” 

شارك.

عن الكاتب

ياسمين خليفة

أدبية ومدونة مصرية. حاصلة على بكالوريوس من كلية الإعلام جامعة القاهرة قسم إذاعة وتليفزيون. صدرت لها حتى الآن ثلاثة أعمال أدبية: رواية بنت وولد صدرت عام 2014 عن دار إبداع للنشر والتوزيع، الهيئة السرية للتخلص من المواطنين مجموعة قصصية صدرت عام 2017 عن دار حروف منثورة للنشر الالكتروني، رواية نافذة في السماء صدرت في 2018 عن دار حروف منثورة للنشر الالكتروني.نُشرت لها مقالات في موقع شباب الشرق الأوسط والأدب العربي وداما. وهي صاحبة المدونة الأدبية حكاياتي.

التعليقات مغلقة.