الجمعة, أبريل 10

قصة قصيرة: الحلم الطويل

غوغل بنترست لينكـد ان تمبلر +

أشعر بيد قوية تهز جسدي، أفتح عيني بصعوبة، أسمع صوت أمي تهتف: “الساعة سبعة إلا ربع الاتوبيس هيفوتك”. أنتفض من فراشي.

 ثم أهرع نحو الحمام، أرفض تناول الإفطار حتى لا أتأخر في النزول، أرتدي ملابس المدرسة على عجل، تصر أمي على إطعامي بأن تضع لي شطائر المربى والبيض في الحقيبة. الساعة تقارب السابعة، أسمع صوت بوق أتوبيس المدرسة يتصاعد.

أفتح الباب وأقفز فوق السلالم كلاعبي الأكروبات، أرى الأتوبيس يمر أمامي في الشارع الرئيسي، أجري وراءه صائحة “استنوا”. 

يتوقف الأتوبيس فأفتح بابه وأصعد داخله وأنا ألهث، يرمقني السائق بنظرة آمرة “متبقيش تتأخري تاني”. أومىء برأسي له معتذرة وأجلس في مقعدي الواقع في الصف الثاني، يسير الأتوبيس بسرعة بينما أنظر إلى النافذة بعينين نصف مغمضتين.

أدخل المدرسة مع باقي الطلبة والطالبات، أسمع رنين جرس الطابور، أقف في الصف مع زميلاتي، أتثاءب  وأنا أستمع للأخبار التي يلقيها الطلبة في الإذاعة المدرسية، أشعر بلسعة الخيزران تلهب كتفي، يدوي صوت مدرّسة التربية الرياضية المزعج في أذني: “أنا مش نبهت عليكي قبل كده أن التوك الملونة ممنوعة، احنا في مدرسة مش في كباريه”. تشد رأسي للوراء وتنزع التوكة الصفراء التي أرتديها من شعري بعنف.

 أنظر في الأرض وأنا أتأسف لها وأتوسل إليها حتى تعيد لي التوكة لأنها هدية أمي لي في عيد ميلادي ولكنها ترفض وتصر على الاحتفاظ بالتوكة عقابًا لي على مخالفة قواعد المدرسة. 

أطوق شعري المنسدل على كتفي بيدي وأنا أغرق في الحرج، تربت زميلتي سارة على كتفي لتواسيني ثم تعطيني أستك مطاط لأربط به شعري. ينتهي الطابور وأصعد مع باقي الطلبة والطالبات في صف طويل نحو الفصل، يتقاطع الصف الذي أسير فيه مع الصف الذي يسير فيه مروان زميلي، يمنحني ابتسامة حنونة ويلقي علي تحية الصباح فأرد عليه بصوت خفيض، ابتسامته تبدد الكآبة التي اجتاحتني بعد انتزاع التوكة مني، نصل إلى الطابق الأول، أراه يحرك شفتيه ويتحدث معي ولكني ضجيج الطلبة يمنعني من فهم إلى ما يقوله، أطلب منه أن يعيد كلامه، ولكن مشرفة الدور تأمرنا بدخول فصولنا فاضطر للابتعاد عنه وأدخل مع الفتيات إلى فصل 3 أول بينما يدخل مروان مع الأولاد إلى فصل 3 ثاني.  

أجلس بجوار سارة في الصف الثالث، يبدأ اليوم الدراسي بحصة اللغة العربية ولكني لا أستطيع الإنصات  لكلام المدرس  طويلًا وأجد نفسي أنظر من النافذة نحو نافذة فصل 3 ثاني، تتراءى ابتسامة مروان في مخيلتي، أفكر فيه وأحاول تخمين ما كان يقوله لي ولكني أفشل.

تنتهي حصة اللغة العربية وتبدأ حصة الرياضيات فيطلب مستر صلاح من الجميع أن يخرجوا كراسة الحصة وكراسة الواجب، أفتح حقيبتي وأتمكن من إخراج كراسة الحصة ولكني لا أجد كراسة الواجب، أفتش بهمة بين الكراسات مرارًا وتكرارًا ولكن بدون جدوى، أشعر بالغيظ، أين ذهبت الكراسة؟ أنا متأكدة أني وضعتها في الحقيبة بعد أن انتهيت من أداء الواجب، تتسارع دقات قلبي بينما يقترب المدرس مني ويأمرني بإخراج الكراسة فأنظر إلى الأرض وأنا أعتذر له لأني فتشت عن الكراسة ولم أجدها، أعده بإحضارها غدًا. يهز رأسه في استياء ويطلب مني الوقوف فأقف وجسدي يرتجف وقدمي تحملني بصعوبة.

يأمرني بفتح يدي، أنحني وأقسم له بصوت متهدج أنني أديت الواجب وأنني نسيت إحضار الكراسة رغمًا عني، أتوسل إليه أن يعفيني من العقاب هذه المرة، لكنه يصر أن العقاب هو خير منبه لي حتى أتذكر إحضار الكراسة غدًا. 

أستسلم للأمر الواقع وأفتح يدي الصغيرة المرتعشة باستحياء ولكنه يأخذها مني ويشد ذراعي للأمام ثم يأخذ عصاه الخشبية ويضربها فوق يدي بحزم وثبات ثلاث ضربات على كل يد. 

أنكمش في مكاني، أتأوه في صمت، ألعن المدرس في سري بينما أحاول تدليك يدي الملتهبتين، تنتهي حصة الرياضيات ولا ينتهي شعوري بالألم والإهانة. 

يرن جرس الفسحة فأتنفس الصعداء، أتلكأ في الخروج من الفصل حتى لا اصطدم بالطلبة الكثيرين الذين يركضون على السلالم، أشعر بالجوع فأفتح حقيبتي بحثًا عن شطائر البيض والمربى التي وضعتها أمي لي، لا أجدها، يتملكني الغيظ فأضرب الحقيبة بيدي المخضبة بلون الألم،لماذا يختفي كل شيء داخل تلك الحقيبة التي تشبه جراب الساحر؟ 

أترك الحقيبة وأترك الفصل وأنزل إلى الفناء، أقابل مروان مرة أخرى، يحييني ويطلب الحديث معي فأطلب منه أن ينتظرني حتى أشتري لنفسي بسكويت من الكانتين لأني أتضور من الجوع.  

أرى عشرات الطلبة والطالبات يتزاحمون أمام شباك الكانتين ويعطون النقود البائعة التي تقف وراء شباك حديدي وتطلب منهم الهدوء لتبدأ في إعطائهم طلباتهم، أحاول أن أحشر نفسي بينهم ولكنهم يدفعونني للخلف، الزحام يزداد، الجوع يدفعني لكي أصارعهم وأتعارك معهم حتى، أتمكن أخيرًا من مد يدي داخل الشباك الحديدي، أطلب من البائعة أن تعطيني بسكويت بالشيكولاتة، بعد أن آخذ منها البسكويت يرن الجرس معلنًا عن انتهاء الفسحة، ألتفت للجهة الأخرى، أرى مروان ينظر لي بعطف، أنظر له بأسى، أصعد معه وأعده بأن نتحدث معًا بعد انتهاء اليوم الدراسي. 

أدخل الفصل وأنا ألتهم البسكويت على عجل، تبدأ حصة اللغة الانجليزية التي أحبها فأجد نفسي منجذبة لشرح المدرسة لمسرحية الملك لير لشكسبير، أتعجب من حماقة الملك لير التي جعلته يطرد ابنته الصغرى من مملكته لأنها لم تنافقه مثل أختيها. 

تنتهي حصة اللغة الانجليزية وتبدأ حصة العلوم، ولأني لا أحب العلوم أجد نفسي عاجزة عن التركيز في الدرس، هذه المرة أسرح في تخمين الطعام الذي سأتناوله على الغداء، يرن جرس الانصراف وينتهي اليوم الدراسي، أخرج من الفصل وأنزل إلى الفناء، أجول بعيني بحثًا عن مروان ولكني لا أجده، بعد أن أجتاز بوابة المدرسة أسمعه يهتف باسمي فالتفت للوراء وأبتسم له، يسير بجواري ويسألني عن أحوالي، أتلعثم وأنا أقول له أنني على ما يرام، قبل أن يبدأ في الحديث معي أجد مشرفة الأتوبيس تنادي علي وتطلب مني الصعود لأن الأتوبيس على وشك التحرك، أرى الإحباط يتحول إلى جزء أساسي من ملامح مروان، لا أملك إلا أن أودعه على أمل لقاء آخر غدًا.

أصعد إلى الأتوبيس، أجلس في مقعدي بجوار النافذة  بينما يشق الأتوبيس طريقه في زحام الظهيرة. يقترب الأتوبيس من منزلي فأنهض من مقعدي استعدادًا للنزول، أبحث عن حقيبتي، أشعر بالقلق عندما لا أجدها، أفتش تحت مقعدي، أسأل كل الطلبة الراكبين ومشرفة الأتوبيس عن الحقيقة فيهزون رؤوسهم مؤكدين أنهم لم يروها، تأمرني المشرفة بالنزول ولكني أرفض التحرك  قبل أن أجد الحقيبة، تتسارع دقات قلبي خوفًا وأهتف “شنطي فين؟”

يرد علي أحدهم “شنطك أكلتها القطة”. يضحك باقي الطلبة بينما تنهمر الدموع من عيني، أظل أصيح وأبكي، أسمع صوتًا هادئًا يهمس في أذني “توقفي عن البكاء ولا تأخذي الأمر على محمل الجد، إنه مجرد حُلم.” 

تتسارع دقات قلبي وأنتفض ثم أفتح عيني، ألهث وألتقط أنفاسي بصعوبة، ألتفت يمينًا ويسارًا، أجد نفسي مستلقية على ظهري في غرفة واسعة بمفردي، أشعر بالدموع تبلل وجهي والألم يسري في جسدي، أدير رأسي لليمين فأرى صورتي منعكسة في مرآة كبيرة، أنظر إلى نفسي، أشعر بالصدمة عندما أرى امرأة في منتصف العمر تبادلني النظرات، أستغرب عندما أرى وجهي منتفخًا وشعري مهوشًا وعينى ذابلتين. 

أعجز عن تقبل أن ما كل ما رأيته وعايشته وعانيت منه  كان مجرد حلم  لن يؤدي إلى أي شيء، إذا كان حقا مجرد حُلم فلماذا لازلت ألهث من الركض؟ ولماذا لا زلت أشعر بالألم في يدي؟ وإذا كان الحُلم طويلًا وحيًا لهذه الدرجة، فما الفرق بينه وبين الواقع؟ 

لماذا لا يكون وجودي في هذا الفراش بمفردي هو الحُلم ووجودي في المدرسة هو الواقع؟

بعد أن هدأت أعصابي شعرت بالامتنان لأني لن أعود لمعاناة المدرسة. قررت أن أستكمل نومي على أمل ألا أرى أي أحلام أخرى طويلة ومفزعة، لكن بعد أن أغمضت عيني وجدت نفسي أسير في الجامعة.

شارك.

عن الكاتب

ياسمين خليفة

أدبية ومدونة مصرية. حاصلة على بكالوريوس من كلية الإعلام جامعة القاهرة قسم إذاعة وتليفزيون. صدرت لها حتى الآن ثلاثة أعمال أدبية: رواية بنت وولد صدرت عام 2014 عن دار إبداع للنشر والتوزيع، الهيئة السرية للتخلص من المواطنين مجموعة قصصية صدرت عام 2017 عن دار حروف منثورة للنشر الالكتروني، رواية نافذة في السماء صدرت في 2018 عن دار حروف منثورة للنشر الالكتروني.نُشرت لها مقالات في موقع شباب الشرق الأوسط والأدب العربي وداما. وهي صاحبة المدونة الأدبية حكاياتي.

التعليقات مغلقة.