السبت, فبراير 29

هل حقًا أصبحت تصرفاتي تشبه تصرفات والديّ التي لطالما انتقدتها؟

غوغل بنترست لينكـد ان تمبلر +

كانت آلاء تحاول حمل ابنتها -ذات السنوات الثلاث- على الجلوس داخل عربتها بصعوبة، وفجأة! وجدت نفسها تتفوه بذات الكلمات القاسية -مما لم تتوقف والدتها عن استخدامها في طفولتها- والتي تعهدت بعدم نطقها أبدًا! 

على الرغم من كل الجهود التي بذلتها لتربية أطفالها بطريقة مختلفة تمامًا، وجدت آلاء أن تلك الجمل المألوفة كانت أول من انطلق به لسانها عندما انخرطت وابنتها في صراع رهيب!

يمكن أن تذكرك تصرفاتك غير المرغوب فيها ب تصرفات أحد والديك في الماضي، وربما تخشى أن تُصبح مثلهم فعلًا! (خاصةً إن كُنت قد تعرضت لسوء المعاملة كطفل).

يرى البعض أنه لا ينبغي لهم إنجاب الأطفال حتى لا يُكرروا ما عانوا منه، كما لو كانت المعاناة “وباءً” ينتقل بالوراثة، لكن ما رأي العلم في ذلك؟

يمكن العثور على جزء من الإجابة في علم الأعصاب الحديث. وفقًا للأبحاث الصادرة من هذا المجال، نحن مبرمجون لتطوير شخصياتنا من خلال التفاعلات مع الآخرين. هذا هو السبب في أن سلوك آبائنا في طفولتنا المبكرة له مثل هذا التأثير على أنفسنا، فالآباء والأقارب هم أبرز الأشخاص الذين يتفاعل معهم معظم الأطفال الصغار.

وهذه البرمجة الداخلية هي أيضًا أحد الأسباب التي تمنحنا القدرة على تغيير أنفسنا، حيث يمكن للتفاعل مع الأصدقاء والمعلمين وأحبائنا أن يعلموا الدماغ أنماطًا جديدة، والتي يمكن أن تغير علاقاتنا بأنفسنا وشعورنا نحو ذواتنا.

هل البالغون الذين تعرضوا لسوء المعاملة كأطفال أكثر عرضة للإساءة لأطفالهم؟

الإجابة باختصار: لا!

ففي دراسة نشرتها مجلة Science (وهي دورية علمية تنشرها الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم)، تابع الباحثون حياة مراهقين ينتمون لأسرة تُسيء معاملة أطفالها، ووجدوا أنهم لم يكونوا أكثر عرضة للإيذاء من الآخرين في عمرهم.

وتُشير الدراسة السابقة إلى أن 35% فقط -ممن تعرضوا لسوء المعاملة والإهمال كأطفال- عاملوا أطفالهم بذات الطريقة.

هل لأوجه التشابه الظاهري علاقة بتاريخنا الشخصي؟

عادةً ما يفرض الأباء على أبنائهم هوية/صفة شخص آخر. كمن يقول: ابتسامتكِ تُشبه ابتسامة عمتك نور، لكن هذا لا يعني أنها ستُصبح مثلها!

اقرأ أيضًا: دانة .. وسنينٍ عشر

الواقع يقول أن لا أحد يعلم كيف سيُصبح ذاك الطفل/المراهق مستقبلًا، فبناء الشخصية عملية معقدة ولا علاقة لها بالشبه أو التقليد. وما محاكاة الآخرين وتبنيّ صفاتهم الظاهرية إلا اختبار آني لمشاعر يعيشها الطفل/المراهق في الوقت الحالي. لكن ما سيصبح عليه يبقى أكثر بكثير من هذه الصفات وحدها.

تاريخنا الشخصي ليس مجرد مجموعة من الحقائق والمعلومات حول ماضينا التي تنطوي على ميولنا البيولوجية وأدوارنا الاجتماعية ونظام المعتقدات التي نرثها في ثقافتنا. من المحتمل أن مشاركة هذه الجوانب من تاريخنا من قبل أفراد الأسرة وغيرهم. توليفة من وماذا عانينا من تجارب عاطفية، وكيف تعلمنا أن نستجيب لتلك المشاعر، قد شكل بشكل فريد من نحن الآن.
وبالتالي، فإن تاريخنا الشخصي لا يتعلق فقط بالبيانات، بل يتعلق بالأحداث التي شهدنا فيها مشاعر كثيفة.

إذًا، ما الذي يجعلنا “نتراجع” فجأة نحو السلوكيات التي كانت لآبائنا يومًا؟

وفقًا لعلماء الأعصاب، تبحث عصبوناتنا عن مسارات مألوفة، خاصة عندما تكون في موقف مرهق (مثل محاولة إدخال طفل صغير إلى عربة أو محاولة دفع مراهق للدراسة!).

ويوضح لنا (دانييل سيجل-Daniel Siegel) ذلك فيقول:

تخيّل نفسك جالسًا في حديقة، ثم رأيت بعض البط يسبح في بحيرة، فوددت إطعامه. لكن للوصول إلى البحيرة، يجب عليك المشي عبر حقل من العشب العالي، وبينما تسير، سينحني العشب تحت قدميك لتكوين طريق. عندما تعود، تسير بشكل طبيعي على الطريق الذي أنشأته للتو. الشخص التالي الذي ينزل إلى البحيرة سيسير في طريقك، ويعود بنفس الطريقة ؛ وهكذا…

يقول سيجل أن الخلايا العصبية لدينا تعمل بنفس الطريقة، أي أنها تميل إلى التدفق في نمط ثابت. يمكننا تغيير تلك المسارات؛ ولكن في بعض المواقف، مثل زيارتنا لأهلنا في يوم العطلة، تتسبب التفاعلات المألوفة معهم في إعادة الخلايا العصبية بسرعة على المسارات القديمة.

الخلاصة

لم نختبر نفس الماضي الذي عاشه آباؤنا، بما في ذلك الاستجابة العاطفية للأحداث أو المواقف أو الأشخاص الآخرين. نتيجة لذلك، تعلمنا أيضًا بشكل مختلف عما خبرناه. 

كأطفال، نتعلم وفقًا لظروف ميلادنا وحياتنا المبكرة. يتم تشجيع وتفرد كل فرد وفقًا لقيم الأسرة والمجتمع والثقافة. عندما يصل الطفل إلى سن البلوغ، فإن تلك الصفات التي كانت تُضايقنا مسبقًا تُمارس عدة مرات وتسمح لكثير من الاختلافات بالظهور. واستنادًا إلى مدى تعلمنا في الوقت الحالي، يمكن لاستجاباتنا للمواقف أن تساعدنا أو تعرقلنا أثناء تفسير وتقييم وإجراء التنبؤات في تجاربنا الشخصية.

شارك.

عن الكاتب

م. طارق الموصللي

من هو محمد طارق الموصللي؟ إن لم يكن ذاك الإسم مألوفًا بالنسبة لك، فهذا يدعو للدهشة حقًا! فـمحمد طارق هو مدون سوري، شغوف جدًا بالكلمة، وهو صاحب المقولة الشهيرة: "لو كانت الكلمة امرأة، لتزوجتها!" وأخيرًا، حين يترك أحدنا مجال عمله وعمل والده لسنواتٍ عدّة، ويقرر أن يتخلى عن الراتب المجزِ ليبدأ كمستقل بدخلٍ أقل، فقط ﻷنه سيعمل في مجالٍ يعشقه فهذا يعني أمرًا واحدًا: أنك قد وصلت إلى الشخص المنشود :)

التعليقات مغلقة.