الجمعة, ديسمبر 13

حين تربط العلاقات الإنسانية بين المتفاوتين في العمر والاهتمامات، فيلم The lunch box كمثال

غوغل بنترست لينكـد ان تمبلر +

في بداية الألفية الجديدة، وفي عصر نهاية الحياة الورقية التقليدية وبداية العصر الألكتروني الذي لم ينساق له كثيريين حينها، ولم يتم تداوله بين الجهات الرسمية، تصنع لنا بولي وود الهندية بتعاون ألماني فرنسي أمريكي أحد الأفلام السينمائية العميقة (فيلم The lunch box) التي تعبر لنا عن العلاقات الإنسانية الموجودة في فترة بداية الألفية الثانية، في إطار حواري خالٍ من الأحداث والصراعات الكثيفة، ولكنه قوي التأثير ويعبر عن نوعية من البشر موجودة بيننا ومنسية مع رتم الحياة السريعة. وقد عكس لنا الفيلم الذي أعده المخرج الهندي “ريتيش باترا” فترة مهمة من حياة الهند بواقعية وصدق تام.

هل يمكنك أن تشعر بارتباط وصلة وثيقة مع شخص لم تره من قبل؟ هل يمكن أن يصل بك القطار الخاطئ إلى الطريق الصحيح ذات يوم؟ 

ربما بحسب المنطقية والأفكار الواقعية قد نقول أن هذا ضرب من المستحيل وأنها سخافات لا وجود لها بيننا، خصوصًا في حياتنا الحالية ذات الرتم السريع والطابع التكنولوجي الغالب. ولكن فيلم The lunch box (الذي فاقت شهرته حدود الهند) يقدم لنا إجابة عن تلك التساؤلات بتقديمه لنا قصة حية من قلب المجتمع الهندي النابض في بدايات هذا القرن.

يبدأ الفيلم بتناول مشاهد من حياة الفتاة العشرينية الشابة “إيلا” التي جسدت شخصيتها الممثلة الهندية الجميلة “نمرات كاور” التي تُعد طعام الغداء لزوجها على عجل حتى يوصله أحد رجال خدمات توصيل الطعام لمكان عمل الزوج. تلك الخدمة هي أحد المميزات الموجودة في “مدينة بومباي” من الثمانينات وحتى وقتنا هذا. نرى في ارتباكها وحيرتها وحديثها مع جارتها لهفتها ومحاولتها في إعداد طبق طعام شهي لزوجها الذي ابتعد عنها وأهملها، كأبسط طريقة ليعود لها زوجها الشارد بعيدًا. ورغم كل الاهتمامات والعناية الفائقة في الطهي التي تكلفتها، تكتشف فيما بعد، أن الطعام لم يصل لزوجها وأن هناك شيء خاطئ بالأمر.

في الزاوية الأخرى، يبدأ بالظهور لنا الممثل “عرفان خان” الذي يجسد صورة رجل أربعيني يكتنفه الغموض والريبة؛ وهو من يصل إليه الطعام بدلًا من أن يصل لزوج الشابة “إيلا”. تبدأ أحداث الفيلم وتفاصيل القصة بالظهور بعدما يبادر هذا السيد بإرسال جواب ورقي إلى من تعد الطعام، بعدما أدرك أن هذا الطعام لا يُقدمه مطعم العمل، بل أن هنالك سيدة ما وراء هذا الطعام الشهي.

يصور لنا الفيلم قصة عدد كبير من البشر الموجودين بيننا، وهم الوحيدون وسط جموع الناس، والمنعزلون وسط صخب الحياة سواء كانوا يعيشون منعزلين أو داخل أسرة. فهنالك الكثيرين ممن يحيون حياة بلا أحداث أو أفق، أو يعيشون على هامش حياة أشخاص آخرين. حتى لو كنا نعرف أشخاصًا شبيهين بأبطال قصتنا، فنحن حتمًا لا نعرفهم بشكل حقيقي، كيف يشعرون وكيف يقضون حياتهم مع مشاعرهم الحزينة، ومع الوحدة التي تنهشهم وتؤثر بهم، سواء على صحتهم العقلية أو قرارتهم الحياتية، بل وتجعلهم يقبلون على اتخاذ قرارت مصيرية خاطئة. وكما أثبتت أحد الدراسات أن حدة الوحدة، وبالتالي آثارها، مرتبطة بجزء وثيق بالبيئة المحيطة والدخل المادي والعلاقات الإنسانية والاجتماعية القليلة. وأثبتت بعض الدراسات أن الوحدة تؤدي إلى الاكتئاب وإدمان الكحول، بل وقد تصل إلى حد الرغبة في الانتحار.

اقرأ أيضًا: Cheap Thrills 2013 – ما لا يقتلك .. يجعلك أسوء

 فكم من أرمل بيننا أو شخص بلا أهل أو أصدقاء أو معارف سواء كان رجلًا أو امرأة، شابًا أو كهلًا، كل تلك المشاعر لا يوجد لها مكان بين ركب الحياة السريعة التي لا تقف عند من تتجاوزه. فبينما تزدحم الأوتوبيسات العامة بالبشر وتزدحم الحياة المدنية بالأحداث التي تحتد شدتها يومًا بعد يوم، ننسى تمامًا أن وراء كل تلك السرعة بشرًا وحيدين لا يعرفون الكثير عن الحياة الاجتماعية. وبينما ينشغل الأفراد بأعمالهم أو دراستهم ينسون أن هنالك نساءًا في المنزل ينتظرنهن ويقضين جُل يومهن على أمل حديث دافئ آخر اليوم. لهذا كان الفيلم كنوع من التجسيد لمجموعة من البشر الذين يحيون في عالمنا ولا نشعر بهم أو نعرف عنهم الكثيرين، وهم الغارقون في وحدتهم وصمتهم. رغم بساطة قصة الفيلم أو عدم إبداعها المبهر، إلا أنها أصابت كبد الحقيقة وجسدت ما لا نعرفه أو نراه بصورته الحقيقية. فكم من وحيدين يمكن أن تجمعهم الصدفة وحدها أو تربط بينهم الصداقة وتخلق لهم عالمًا آخر من الحياة التي تشكل لهم مُنقذًا من تلك الرتابة التي يحيون فيها.

وفيما يتعلق بالفيلم، نشأت علاقة إنسانية فريدة بين الرجل الأربعيني والفتاة الشابة بعد فترة من تبادل الرسائل عن طريق صندوق الطعام، إلى أن قرروا أن يلتقوا وحينها اتخذت القصة مسارًا آخر، حيث اكتشف الرجل أن تلك الفتاة، ولو كانت صديقة افتراضية، فهي في النهاية شابة ذات أحلام وشباب ولها فرصة ومتسع من الوقت لتحقيق ما تتمنى. على عكسه هو، الرجل الذي تفوح منه رائحة الكبر واليأس، وتتفاقم الأحداث إلى أن يتخذ الفيلم مسارًا مختلفًا مغزاه “أحيانًا يمكن أن يصل بك القطار الخاطئ إلى الطريق الصحيح ذات يوم”.

يعد الفيلم من الأفلام البسيطة التي تجسد صورًا من حياة الناس وأنماطهم الحياتية التي لا ينتبهون، وقد نجح في الحديث عن الوحدة بصورتين مختلفين وتمكن من أن يصور لنا الحياة في كنف شخص آخر، حتى لو كان مجرد صديق أو شخص عزيز، فهي تثري الحياة الإنسانية وتضيف الكثير لأصحابها.  

شارك.

عن الكاتب

وفاء خيري

كاتبة مصرية من مواليد التسعينات. درست الأدب الإنجليزي بكلية التربية، وأنا شغوفة بالكتابة والقراءة واللغات.

التعليقات مغلقة.