الثلاثاء, يناير 28

يوميات كاتب مُغترِب .. هكذا ساعدني التدوين على تجاوز غربتي

غوغل بنترست لينكـد ان تمبلر +

أتذكر أن أحد الأصدقاء سألني سؤالاً مباشراً عندما بدأت التدوين في مدونتي الإلكترونية بصورة منتظمة. كان سؤاله هو “لماذا تكتب وتدون؟ وهل هناك أي مردود مادي من الكتابة والتدوين؟” أتذكر أيضاً أن إجابتي كانت بأن الكتابة هواية وميول مثل غيرها من الهوايات، والتدوين الإلكتروني والنشاط الرقمي أصبح يسمى إعلامًا بديلًا، أو شيئاً من هذا القبيل، نظرًا لأهميته البالغة.

لكنني الآن أدرك أن إجابتي لم تكن مُقنِعة كفاية. كما أدرك اليوم بصورة أوضح لماذا كنت أحب التدوين والكتابة بدون مقابل مادي أو اجتماعي: لأن التدوين كان وسيلتي الأمثل للتخلص من عبء بعض ما يدور في ذهني من أفكار واهتمامات ومواقف. التدوين كان هو الوسيلة المثلى أيضاً للإحساس بشعور أفضل وسط ضغوطات الحياة اليومية وتناقضاتها، والتغلب على ومشاعر الاغتراب إن صح التعبير. ربما كان هذا هو السبب الذي دفعني للتعريف بمدونتي الشخصية قبل عدة سنوات على أنها مدونة يتماهى فيها مكان الإقامة الحالية مع الوطن.

لقدر غادرت بلاد الغربة بعدما تعلمت منها دروسًا كثير في الحياة من فهم واحترام الآخر واحترام الثقافات والاختلافات، فضلاً عن أخلاقيات وقيم العمل الآسيوية خصوصاً. عدت إلى أرض الوطن الحبيب بعد غياب دام حوالي الخمس سنوات في بلد المهجر في الشرق البعيد. وقد أدركت في هذه السنين بأنه لا يعرف الوطن من لم يعرف الغربة ويعش بين مطرقة ألم الغربة وسندان غربة الوطن.

ألم الفراق عن الوطن من أصعب الآلام وأشدّها، فمن لا يبكي لفراق الوطن؟ الغربة لا تعني البعد عن الوطن فقط ومغادرة حدوده الجغرافية، بل هي غربة الروح والإحساس المرير لوطنك وأهلك وأصدقائك ولذكرياتك التي تركتها خلفك. الغربة هي غربة الروح عندما تحس أنك وحيد بين من حولك. تتحدث إليهم فلا يسمعون صوتك. تحتاج إليهم فلا تجدهم. هي معاناة فوضى المشاعر وبعثرة الأحاسيس.

العودة إلى الوطن بلا أدنى شك تمنح الإنسان شعورًا رائعًا واستثنائيًا مهما سافر ومهما دار من بلدانٍ حول العالم. بغض النظر عن مستوى جودة الحياة في بلاد الغربة والمهجر، تغمر السعادة وجه العائد ويملأ الأمل قلبه ويتملكه شعورًا بالنشاط والرغبة بحماس في تحقيق الأماني والأحلام والتطلعات بعد قضاء سنوات طويلة في بلاد الغربة، حيث الإحساس بالذات ووجود المناخ المناسب للنجاح والتميز.

من أصعب أنواع الغربة وأكثرها وجعاً ومرارة وأشدها قسوة، هي العيش داخل حدود وطنك والشعور بأنك غريب. فالغربة داخل الوطن هي الشعور بعدم انتمائك للمكان الذي شهد مولدك ومراحل طفولتك وللأرض التي عاش فيها آبائك وأجدادك. والشعور بالغربة في الأوطان يدعو للتوقف والبحث والتقصي  للوصول إلى جذوره وأبعاده. فالكثير من المهاجرين في معظم البلدان العربية عندما يعودون إلى أوطانهم غالباً ما يشعرون بما يمكن أن نسميه بغربة الوطن على الرغم من وجودهم بين أهلهم وأحبائهم وناسهم.

أعتقد أن مثل هذا الشعور يرجع إلى أسباب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها. لكن واحدًا من أهم وأوضح الأسباب ربما هو خيبة الأمل الكبيرة وانهيار كل التطلعات بوطن مستقر وآمن يتسع للجميع، بعد أن يظل المغترب والمهاجر عن وطنه يتساءل متى ينهض الوطن! ثم يصطدم العائد إلى وطنه بحال الوطن الذي يعاني من غياب النظام والقانون، وتدني المستوى الأمني، والاستبداد على كافة المستويات حتى في المدرسة والجامعة، وضيق آفاق التفكير، وضيق حدود الحرية والتعبير، وتدني مستوى معايير جودة الحياة الكريمة، وتفشي الفقر والبطالة، وقلة فرص العمل وتدنى المرتبات، وغياب الأنظمة الإدارية والسياسية الحديثة لإدارة المجتمع وموارده بصورة عامة.

لقد كنت أظن بأنه في يوم من الأيام ستفقد الكتابة رونقها وبريقها وسيخفت ميولي إليها عندما أعود إلى أرض الوطن بعد طول غياب. لكنني كنت مخطئاً واكتشفت وجود شيء أقوى جعلني أتشبث بها أكثر للتعبير عن ذاتي وعن شعوري بالغربة في وطني بين ناطقي العربية. ستظل الكتابة وسيلتي المثلى للخروج من قفص مشاعر الغربة أينما حللت وارتحلت، حتى ولو بقيت أوراقي حبيسة الأدراج فقط.

شارك.

عن الكاتب

زياد أحمد الدغاري

زياد أحمد صالح الدغاري، 29 سنة ومحل الميلاد هو اليمن وتحديداً محافظة شبوة. خريج هندسة بترولية من إحدى الجامعات الماليزية، ويجيد التحدث باللغتين العربية والإنجليزية بالإضافة إلى إجادة التحدث في الحياة اليومية بلغة الملايو (اللغة الماليزية). مدون ومحرر سابق في صحيفة ماليزية حتى توقفت عن الصدور، كما بدأ الأهتمام لاحقاً بما يسمى بالإعلام البترولي. وبالنسبة لاهتمامة بالكتابة، فقد بدأ منذ المدرسة المتوسطة من خلال المشاركة في الصحف المحلية وتأسيس أول مجلة أطفال في المحافظة بمشاركة شقيقه مازن.

التعليقات مغلقة.